Apr 12, 2014

خوخة

أشتاق للخوخ الذي كان يأتي به والدي،تتذكر؟ كنت طفلة ما زلت،وكان الضوء جميل.

تتذكر اني أحب تلك الفترة قبيل الغروب بوقت قليل،تشعر بأن الكون خُلق في هذه اللحظات،العصافير تعود لأعشاشها،والسكون يسود الكون،وكأن هذه اللحظات هي اللحظات التي ينام فيها البشر وأبقي أنا.
جاء بابا ذلك اليوم البعيد، بكيس اسود يحوي علي خوخ ،كنت أُحبه منذ صغري.
جاء الخوخ وفي وقتي المُفضل من اليوم،ذهبت رغبتي في الأكل،وكنت أتسحب وأحرص علي صوت رجلي،وأخد خوخة بهدوء شديد،وبحساسية ألا تُلامس الثمرة الكيس البلاستيكي فيًصدر صوت يشي بي.
وكنت أغسلها في حوض الحمّام الذي كان أقرب لطولي،ثم أذهب جريا الي البلكونة في الغرفة البعيدة،وأدخلها كصل مُنتصر بصيده
وأغلق الشيش خلفي مُبتسمة بدهاء،ثم أقف علي الكرسي الخشبي الصغير،وأنظر الي مغيب الشمس علي الشجرة الجميلة الكبيرة أسفلنا في الحديقة،الذي تطرح زهور حمراء صغيرة ربيعا،وتتحول لأفرع طويلة شامخة خريفا.
كنت أكل الخوخة باستمتاع شديد،كنت أخد قضمة وأمضغها علي مهل وأنا أتمني ألا تنتهي،وأترك الجزء الصغير بالنهاية،فقد كنت أصبحت خبيرة بالخوخ،ويبقي ألذ جزء في أخرها.
كانت تنتهي الثمرة وأحزن،وتبدأ المُغامرة مرة أخري،أذهب للمطبخ حريصة ألا أُقظ والدي من قيلولة العصر،وأنا أُراقب الشمس تتسلل من خلف أبي النائم أرضا في الصالون،فكما تعرف ينقسم بيتنا الي حار جاف شديد الحرارة صيفا بالداخل،وبارد شديد البرودة شتاءا بالداخل،فغالبا ما نقضي مُعظم أوقاتنا بالخارج.
وكان والدي يرتحل رحلته اليوميه مساءا،ساحبا معه مخدة وجريدة أو اثنين ونضارته،وما هي الا لحظات ونسمع صوت نومه العميق،ونتجول نحن أطفالا في المنزل بين محاولة اجتناب اللوم من ماما،وبين اللعب بدون صوت.
وكانت ايام الخوخ أيامي المُفضلة،والبلكونة مكاني المُفضل،وحتي تغيب الشمس أبقي فيها.
اشتريت خوخ اليوم وأنا عائدة من العمل،ماذا يا تُري تغير؟،لم يعد الخوخ خوخا،وتركت البلكونة مُغلقة منذ سنوات.
ولم يعد جيراننا كما كانوا،ولم نعد نحن كما كُنا.
كل فترة أقول لنفسي كمن يسرد محفوظ"الحياة تُغير الناس يا هبة،لا تحزني علي ما فات،ولا تحزني علي أُناس يُعاملونك سيء،،هذه هي الحياة".
أكبرت صديقي؟أم أني ما زلت أعيش في روحي طفلة؟وأتمني ولو خوخة واحدة في بلكونتي،علي كُرسيّ الخشبي الصغير،بضفيرتين مشدوتين فوق أذني بقليل،وفستان مُزين بورد،ينعكس عليه أخر ضوء لشمس تغيب.


Apr 2, 2014

بني سويف ومحكمة


صديقي،يبدو أنه أصابني الهول الذي يُحلف به،لا أعلم أي الأيام نحن فيها،الا اذا تطلعت علي جهازي المحمول،لا أستطيع تقدير الأيام ولا المسافات،هل بالأمس كنت في بني سويف،أم انه كان أول أمس؟،أنسي أيام بحالها،ولا أتذكر ماذا فعلت بأول أمس،ولا كيف نمت ولا كيف أصبحت!.
اليوم كان هناك ثلاث تفجيرات في جامعة القاهرة،بالأمس كنت في بني سويف للمرة الثانية،أول أمس كنت في محكمة.
تششعر بي وأنا وكأني لُقنّت ؟،احيانا اجد نفسي في الشارع،أتحدث بصوت عالي وأسأل نفسي،أين كنت بالأمس؟،هل عندي ميعاد مهم اليوم؟
لا مُجيب،ولا فائدة كما يبدو،أنا لستُ بأعظم مصورة،ولا أهم مصورة،لكن يبدو أن عندي ما يجعلني أشعر بثٌقل الأشياء علي قلبي.
بالأمس استيقظت باكرا،وخرجت مع الشمس،وعُدت بعدها بقليل،سافرت بني سويف مع مندوبين من بنك الطعام،الذي ما أن قرأ التحقيق الذي نُشر يوم السبت،حتي تواصل مع المحرر،وتواصل مع فروعه في بني سويف،ووصل للقرية المجهولة التي لا وجود لها علي الخريطة،وقدموا لهم المساعدة،تقريبا لأول مرة منذ أن عملت في الصحافة أجد نفسي سبب سخرة الله لتغير حياه الناس للأفضل،للتأثير في حياتهم فعليا،ليس اللعب بالعقول ولا التنويم المغناطيسي.
ذهبنا نفس الطريق،كنت أشعر بأني كنت بالأمس هنا،الشوارع والناس ووجهوهم كأني لم أتركها،وصلنا فوجدنا القرية أخرجت أحشائها من الناس علي الطرقات،تجلسنّ النساء علي الأرض انتظارا لدورهن،وكان الموضوع شديد التنظيم،فقد أعطوا كل اسره ورقه برقم وأسم،وهناك كشف وكل من يستلم كرتونه الطعام يمضي مكانها.
كان التنظيم عظيم،لكن ليس للتصوير،شعرت للحظات كأني هنا مُتعاليه عليهم،وكأن الصور لاذلالهم،وكان بنك الطعام استقدم مصور معه،فكان يصور الناس وجلسوهم في الطُرقات،لكني لم أشعر بسلام مع ذلك،أثرت أن أُصور بهدوء وبعيد عن التكلفة،كنت مُرهقة من أيام عمل متواصل،وكنا كمن أصبح مجرد دليل لمندوب بنك الطعام،هو يُريد أن يُنجز عمله،لا شك،لكنا عندما أصطحبناه الي عياده القرية،وظل يُخبر الطبيب عن القافلة الطبية التي ستأتي بالدكاترة والعلاج والحلم والأمل،هل أصبحت فجأه مُتشائمة صديقي أم أني أُصبت بحساسية عدم التصديق،كله يتحدث،لكن عند التطبيق يختلف الأمر.
تجولنا في القرية،وكان أصابني الوهن،لا استطيع الصمود أكتر،وكان يُصر الاستاذ مندوب البلنك أننا يجب أن نتغدي،وانا لا اتخيل نفسي أكل بسكوت،لكنه فعل ما أراد.
وما كان مني الا ان انقلبت غرقا في نوم غير مُريح،في السيارة ونحن في طريقنا عودا.
ونزلت عند كمين مايو الذي أقل ما يوصف به أنه مؤذي،وصلت البيت لا وصف لمقدار ارهاقي،لدرجة ان اليوم عندما حاولت أنا استيقظ علي صوت والدي،لم أستطع،استيفظت مُرهقه أشد الأرهاق،كنت أعرف انه يجب أن أذهب،معي صور الجولة،والتي غالبا ما سوف تهتم الجريدة بنشرها،علي أساس انها تلبيه لتحقيق نشرته،ذهبت مُثاقله الروح،أختارت الصور بين وجع وتفكير،جاءت ا راندا بعد رحلة لسنغافورة استمرت اسبوع،بصور عن عالم أخر،وهدايا جميلة مُلونة أستطيع تخيًلها في غرفتي مُلونة ومُبهجة.
لكن جاء خبر انفجار عند كليه الهندسه،وهرع صبري جريا لموقع الحدث،وظللت أُحدث نفسي أنها ستكون شيء بسيط ان شاء الله،ولا موت هذه المره،وكم كنت مخطئه،مات عقيد واًصيب أثنان،وكان قلبي يدق عنيفا عندما وقفت أُراقب الجنازة من التلفاز وأنا أُساعد في رسم الجريدة،وعندما جاء دور الصفحة الأولي،رأيت اسمي علي خبر،فنظرت مُدققه،فكان موضوع بني سويف،كتب المحرر تصوير هبه الخولي،وعنما حدثت نفسي،أنه يجب أن نختار صورة مما صورتها اذا ما كان هذا مكانها،وهل يجب أن أذهب لكي أختار الصورة؟حتي هدّوا أحلامي كلها مرة واحدة،فقد كان خبر ارتفاع الاحتياطي النقد الأجنبي أهم من قافله بنك الطعام،وذهبت الصورة يا ولدي.
أما بأمس الأول،ذهبت لمحكمة قضيه تُدعي اعلاميا خليه الماريوت،مقبوض فيها علي صحفيين،وبأدوات كما يدعون أنها جاسوسية،وما هي الا لاب توب وكاميرات ومًسجلات صوت،كان يومي هذا يوم الأجازة،لكن جاء دوري في جدول المحاكم،لا تعلم ربما،لكن وبحثا عن بعض العدل،جعلنا للمحاكم خاصه البعيده المُتعبه،والسفريات خارج القاهره جدول،يأتي دورك بعد أثني عشرة مصور،فتستريح قليلا،وكان هذا دوري،وذهبت بين الشمس والدبابات،والرشاشات وقفنا.
قابلت صديقه من ايام الكليه الجميلة،وعندما أتي وقت الدخول قال هذا الرجل،أين التصريح؟
أي تصريح؟لابد من تصريح،وكما هي عادة المصريين،تم تعقيد دخولنا وتركونا بعضنا بالخارج،حتي سمحوا للجميع بالدخول.
دخلنا لنجد الشباب في القفص،مبستمين،شباب لا يتعدي اعمارهم العشرين والخامسه والعشرين.
حاولت أن أصور،كما تعلم،الكاميرا لا تًساعد والقفص المُزدوج لا يًساعد ابدا.
وبعدها فاجئنا القاضي،وطالب باخراج المتهمين من القفص والوقوف أمامه،وهذا ما فعلوه،فكانت فرصه ذهبيه للتصوير.
لكن أبي القاضي أن يتمها بسلام،كنت أتكلم بلغه الاشاره مع زميلي،وأطلب منه عدسه لكي تُساعدني ولو قليلا،لكن ما كان من القاضي أن جعلنا نقف في الجلسه بعد أن أقف الجلسه،وكما لو كنت عُدت في الزمن لمدرستي الابتدائية،واوقفني المُدرس،لأني اتحدث مع زميلي طالبه أستيكه.
وطالبنا الا نتكلم مرة أخري وما الي ذلك،وكأن القاعه لا تضج بصحفيين يتحدثون ويُنكتون،ومعهم مُترجمين،يُترجمون كل كلمة تُقال.
انهيت اليوم بأن رجعت الي الجرنال مُهلكه،وبعثت بصورتين لوكاله ال اب لعلهم يأخذونها،وأخذوها فعلا.
ثم ذهبت للبيت.
لأ اعرف ماذا فعلت يومها؟،ولا أتذكر ماذا فعلت بالأمس،لكن ومنذ دقائق أرقت كوب كاكاو ساخن حضرته لي منه اختي،علي الموبايل وكروت الكاميرا والمُذكرة وكل شيء.
وكأنه لا يكفيني أدله علي انهيار أعصابي انهيارا حادا.