Feb 20, 2014

حُضن

أخاف علي المترو أكثر مما اخاف علي العمارة التي اسكن بها،لعلك لا تعرف لكني يوميا أقضي من وقتي ساعة ونصف،هذا ليس بالقليل،رأيت الكثير والكثير.
اليوم جلست كعادتي،أسمع ام كلثوم،غالبا أري الحياة بخلفية موسيقية
بجانبي جلست سيدة مع ابنها الصغير،ووقف بجانبها ابنها الكبير،يبدو انه لا يتجاوز السبع سنوات.
يتملل من الوقوف،ولا تستطيع والدته فعل شيء،بجانبها تجلس سيدة كبيرة في السن نوعا 
ما،تبدو جامدة،حتي ولو حاولت أشعة الشمس المُتسللة من الشباك خلفها،أن تكسر حدتها،ولم تستطع،ظلت ملامحها سوداء،تُبيء بشر
في لحظة ما،لم يتحمل الولد الصغير الوقفة في رُدهة المترو المُزدحمة دائما،وأرجل تذهب وتجيء،ببضاعة احيانا وشُنط احيانا أخري.
فأخذتة والدته علي رجلها،أفسحت له مكان في قلبها الواسع،وأجلسته بجانب أخوة،وبجانب شنطة يدها.
أدفأتهم الشمس الباحثة عن قلوب حنينة،داخلة من الشباك المفتوح،راقبتهم،وبعد ثواني فتح الولد ذراعيه علي وسعهم،وأحتضن أخيه،في حُضن امه.
شعرت بدقات قلبي في ضلوعي،وفتحت عيني لتستوعب مشهد،كاد يُذيب قلبي.
أوقف عقلي قسرا علي ألا يُفكر أفكار فلسفية عميقة،فقط هذة اللحظة،بشمسها وحُضنهم،وتلامسهم،والحُب الذي كِدتُ أن ألمسهُ في الهواء.
وبقايا بسكوت في يد الطفل الصغير،وبقاياه علي ملابس والدته،بالتفاصيل الصغيرة،هذا مشهد أذاب قلبي،وحُفر في عيني 

Feb 10, 2014

صديقي،هل تعبت مما أبثه اليك؟،هل أصابك الارهاق والاكتئاب؟،قد أُحاول المرة القادمة أن أحكي لك أشياء مُفرحة قليلا،أو أن أُخبرك شيء لطيف.
تعرف اني أُحبك،لكن ليس لدي الا ما اقوله لك،ومؤقتا سأُخبرك ما سأقوله لك ثم نتفق علي أخبار مُفرحة لاحقا.
فلنرى،أخر ما اخبرتك به ذكرى 28 يناير أليس كذلك؟،واليوم هو العاشر من فبراير،تعرف حتي كتاباتي لك تقل مع الوقت،لا أعرف كيف أُنهي حوارى الداخلي؟،ولا كيف أُشكّل الكلام لكي أنقله لك،مُهمتي ليست سهلة كما تتخيل.
في اليوم التالي أي يوم 29 يناير،قررت أن أذهب لزيارة صديقتي المُصابة من 25 يناير،أستأذنت صديق أن يأتي معي حتي بيتها،القاطن بفيصل،يبددو وكأنه في عالم أخر بالقياس بمنزلي.
أنهيت عملي،ولا أتذكر ماذا صوّرت هذا اليوم،ولن يفرق،فلم يعُد هناك ما هو مهم.
بعد العمل كانت ستذهب هبه للحضانه لاحضار ورد،وذهبت معها،انت لم تُقابل أي من رفقاء عملي،لكن هبه أحبهم لي علي الاطلاق،ولا استطيع وصفها بأني أمي،لانها اصغر من أن تكون أمي،ولكنها مزيج من الصديقه والأم والأخت،ولها بنت سمتها ورد،ورد الجميله التي بالتقريب أصبحت بنت القسم،ولولاها كما أعتقد لم لنكن نمر بأيام الفض،لم أحكي لك يا صديقي عن هذه الفترة،وحتي الأن لا استطيع،ربما يوما ما.
سرنا سويا الي الحضانة في الدقي،وكما تعلم كلما تقابل بنتان فلابد للحديث أن يكون ثالثهما،وقد كان،تحدثنا حتي بعد أن أخذنا ورد،وبينما هي تلعب وتسير أمامنا في الشارع،كُنا نتكلم،عني وعنهاوعن كل شيء.
من قال أن الحديث يُريح غالبا لم يكن يتحدث كثيرا،لأن الحديث مؤلم كما السكاكين،فهو كمفتاحلصناديق بندورا كثيرا بداخلك.
وكلما تحدثت كلما فتحت صندوق منهم ولا نهاية لهذا.
وعندما وصلنا لمديان الدقي تقابلت مع الصديق،وركبنا المترو حتي بيت صديقتي،وصلنا بيتها ودخلنا،صديقتي هذه ربما لأنها مُغرقة بتفاصيل المُعتقلين،وعندما هجمت قوات الأمن علي المظاهرة في مصطفي محمود،التي لم تستغرق أكثر من 10 دقائق،أصابتها طلقة خرطوش في بطنها،ولأنها رأت الظباط يتجهون ناحيتها،يبدو أن خوفها من الاعتقال أصابها بصدمة أدت لشلل مؤقت في رجلها،فلا تستطيع الوقوف او المشي عليها.
لم أكن حزينة عليها،فهي تحمد ربها كل يوم،وتقول هناك الكثير أسوأ مني،لكن تخيل يا صديقي،في زيارة لمريض،ويأتي أصدقائها وتعرفت عليهم،ويكون محور حديثنا عن الأصدقاء المُعتقلين،وقصص تعذيبهم في السجون،وعن هذا الصديق الذي قُتل أما أعينهم حتي أنهم اضطروا أن يحملوا جزء من مخه،تتطاير بعد ان قتلوه،يحملوه في كيس مخفي في جاكت أحدهم لكي يدفنوا صديقهم كاملا.
وبعد أن اتفقوا أن يذهبوا للمستشفي،وجدوا الشرطة العسكرية تلقي القبض علي الوالد،هذه كانت القصص التي تُتلي في زيارة مريض،هل لي أن أقول أن الذي يحكي عن صديقة المقتول،كان يتكلم ونحن نتغدي؟،كان يحكي وكأن ما يقوله مر عليه سنين وسنيين،لكنه فقط كان من 3 ايام فائتة.للحظة توقف عقلي وتسألت،الذي نعيشة أكبر منّا كثيرا،كيف لنا أن نعيش هكذا؟وما هو المستقبل كيف سيكون؟
نحن لم نحزن كما يجب علي أصدقائنا،نحن لم يتسني لنا الوقت لكي نحزن يا صديقي.
أتخيل اننا ربما بعد 5 سنوات،ستجد من يحزن علي صديق قُتل قبلها ب ثلاث سنوات،فقط لأنه لم يُتح لنا الوقت
ما زالت صديقتي لا تسير علي قدميها،مازال من في السجون يُعذبوّن وكل يوم نسمع قصص مختلفة وقاسية،لم يعد بي طاقة يا صديقي للاحتمال.
هذا العالم يبدو أقسي عليّ كل يوم،وتوقف تفكيري فيما قد استطيع أن أفعلة.
أغلقت حسابي علي الفيس بوك وتويتر،تُنهكني أفكاري،فما بالك بأفكار الآخرين،بذالت أولائك الذين ماتت منهم الانسانية أو التفهم.
صديقي،ألا تأخذني معك في الجانب الآخر من العالم؟علي أستريح وأبقي بقُربك؟

Feb 7, 2014

28

صديقي العزيز.
اليوم هو  الثلاثاء،الثامن والعشرين من يناير 2014،الذكري الثالثه لجمعة الغضب،لكن قبل أن أحكي لك ما حدث اليوم ونهايته والذكريات المُتداعية،دعني أحكي لك الأيام الماضية،التي  مرت صعبة ومؤلمة.
تعرف يا صديقي أكثر ما يؤلم أن هذا كله،ما نعيشه،مُستقبلنا وحاضرنا سيكون فقط سطر في كتاب التاريخ،جاء مرسي وذهب وجاء من بعده وذهب ثم حدث كذا وكذا،لا أحد سيتحدث عن الأرواح والأحلام،والغد الذي لم يأت للناس،والأمس الذي أصبح أكثر ايلاما.
أصابني الأرق يا صديقي منذ فترة غير قصيرة،أصبحت كوابيسي أكثر بشاعه،وهذه الفترة كنت قلقه للغاية من ذكرى ثورة 25 يناير،كنت لا أنام ولا أستيقظ الا بصعوبة،أسير في الشارع أُفكر،وأقابل الناس وأتحدث وأٌفكر.كنت أعرف ان كثير سيموت،وسيُصاب أكثر،كنت قلقه أن تكون هذه لحظتي.لكن جاء ما أخشاه قبلها بقليل،فقد استيقظت يوم الجمعه 24 يناير 2014،علي انفجار أمام مديرية أمن القاهره،القريبة جدا من العتبة،انفجار لم يأذ الا الواجهه للمبني المُسلح،ودمّر المتحف الأسلامي الجميل المُقابل له،كنت لا أرغب في الاستيقاظ،كلمني ا مجدي واخبرته انني ما زلت في المنزل،فمن فجروا المديرية فجروها الساعه ال6 صباحا،ونحن لا وجود لمحررين تقريبا،فلم يتم ابلاغنا الا الساعه ال 8 صباحا،بعد أن كلمتني لبني،أخبرتني أن أحمد في طريقه للمديرية،اليوم الجمعة كما تعرف ولا وجود لميكروباص وبمجرد أن ركبت المترو تصارعت الأفكار،تعرف يا صديقي،أيام الصبا،أيام كانت أحلامنا بسيطة،أن نظل أصدقاء ونجلس علي شاطيء البحر،نرسم ونُصور ونحن نستمع لأغاني نُحبها؟،لما لم تظل الحياة بسيطة مثلما كانت؟أين ذهب الاتزان الروحي؟،ايام ان كانت تحدث مصائب لكنك مُحصن من داخلك بمليون نقطة نور،تستطيع أن تحميك،أن تحتمي بداخلها،أن تغلقها علي نفسك فلا تتأثر؟،ماذا حدث للفُقاعة التي بنيناها؟،كٌنا ندخلها فنري العالم من داخلها مهزوز لا قرار له،نراه كما نرى بُقع الصابون،مُلون مُشوش،يشف ما وراءه لكنه لا يجعله يصل اليك،فقاعتنا التي كانت مرآتنا للعالم بدون ان يمسّنا.
لماذا تسّرطنت فُقاعتنا بالعالم الخارجي؟
أفقت من خيالاتي،بتذكيري انني يجب ان انزل في محطة السيدة زينب في المترو،ونزلت،أوقفت تاكسي وأنا اتمني من كل قلبي أن يكون الطريق مفتوح.طلبت منه الذهاب لمستشفي أحمد ماهر،وبمجرد أن وصلت بدأت الاتصلات لمعرفة من المحرر الذي يُغطي هذة المستشفي،ولم تكتمل المُكالمة حتي وجدت مصور في وجهي،سألته وأخبرني انه يوجد مصابان اثنان فقط بالداخل ولا يُريدون التصوير،وكان هو مُتجه لمستشفي العجوزة،فآثرت الذهاب معه،كلمت ا مجدي وأخبرته،مررنا في اتجاهنا علي بيوت وقف أصحابها مندهشين ،أمام زجاج مُكسر وحُطام،ونحن بعد علي مسافة بعيدة تماما عن مكان الانفجار.ومن أمام المُديرية كانت مظاهرة ترفع صور السيسي،وهم لا يهتفون،كانوا يُغنون ويرقصون،ولا تسأل،كيف هذا.في نفس مكان الانفجار وفي مكان المُفترض انه ساحة جنائية للتحقيق،ومكان مات فيه بشر،يرقص أخرون.وصلنا للمستشفي،ووجدنا أصدقائنا سبقونا،وكان يبدو أننا سنبقي كثيرا،لكن الظابط المسؤل كان كل بضع دقائق يقول مجرد دقائق،وتحولت هذه الدقائق لساعة والساعة الي أربع ساعات.ولم أعد أحتمل،حتي بوجود صحفيتان بالأخص،كانتا يتكلموا كثيرا ويتناقشوا سياسة حد السماء،وكنت لأ اريد أن أسمع،كيف بكل التقدم التكنولوجي هذا ولم نخترع أي شيء يُغلق أذنك فلا تسمع؟،هل تتذكر أيام كُنا نلعب أننا لا نتكلم ولا نسمع،وكُنا نتكلم بأصابعنا وأسناننا؟،نتكلم بجسدنا وبعيوننا؟،لماذا لا أستطيع أن أغلق اُذني في هذه الأوقات؟
لأحمد خالد توفيق مقولة،يصف فيها أقسي عذاب هو الوقت الذي تريد أن تصمت فيه وأمامك شخص لا يكف عن الكلام.وطال الانتظار،حتي جاء الوقت الذي أخبرونا فيه اننا قد ندخل نصور المُصابين،وأخذوا البطايق ليُسجّلوا أسمائنا وما الي ذلك،وانتظرنا فوق انتظارنا انتظار بلا فطار ولا مشروب وبعد أن دخلنا جاء مُدير المُستشفي ليقف أمام الكاميرات يتصور،وقال لنا انه سوف يُلقي بيان بعدد المصابين وحالاتهم،تكلمنا معه اننا مُصوريين صحفيين،ولن نٌؤذي المصابين في شيء،وكان لواء،فتكلم بلهجة حادة جدا،بأنه شخص جاد في كلامة وانه يدري أهميه عملنا،وأن المُصابين في حالة حرجة ولا يستطيع أن يتركنا ندخل.
تفهمنا الموقف،وكان احساسي يُخبرني انه كاذب،فهذه أوامر ولا علاقة لها بحالة المُصابين،لكن بعد دقائق قليلة عرفنا أن هناك مصورين دخلوا بالفعل للمُصابين،وسجلوا معهم فيديو،هذه كانت حال بلدنا يا صديقي،تعرف شخص مهم؟ستكون محمي،وستنجز مصالحك ويكون لك حقوق،غير هذا،انت هالك لا محالة.
 كانت هناك الكثير من القيل والقال والمُحاولات،لم أهتم،ولحظة ان قلت انني اكتفيت اليوم،وأنني ذاهبة لكي أأكل أي شيء فمعدتي لم يدخلها لقمة واحدة طول اليوم،لحظتها رأيت المحافظ داخل،كان يجب أن ألتقط له صورة،جاء وقتها المحرر يجري،وعندما طلب مني الانتظار قليلا فقد ندخل،لم أتمالك اعصابي ولا اتذكر بماذا نطقت،ولكني واثقة انها كانت شيء بعصبية وبصوت عالي.
ذهبت لنعمة محل شهير في العجوزة ،أكلت فطاري الساعه الثالثة النصف تقريبا،ورجعت للجريدة،لكي أعلم انه كان يوم صعب علي الجميع،فمن أحمد طول اليوم في المُديرية وصبري وعلي في البحوث والمطرية،وا مجدي في مستشفي الحسين.كان هذا يوم يكفي بالنسبة لي،كنت لا أُريد الا آله لايقاف الزمن،يكفي يارب هذا،بيكفي.
لكن لم يكن يكفي بعد،فاليوم التالي كان ذكري الخامس والعشرون من يناير ،الذكري الثالثة لثورة 25 يناير،لم أستطع النوم بالليل،ولم أستطتع الاسيقاظ صباحا.وصلت الجريدة لأجد استنفار وتوزيع المهام،فالناس في التحرير فعلا من الصباح يهتفون،يرقصون ويحتفلون،هل تُصدق يا صديقي؟،مكان أن مات أحمد بسيوني،وألاف،يرقص أخرون احتفالا؟أصبح الواقع عصي حتي علي الشرح.
كنت لا أرغب في الذهاب لأي مكان،ولا اريد أن أُصور أي مسيرة،ولا حتي أُريد أن ابقي في المكتب.جاء حظ زياد في التحرير وكان مُتضايق لأقصي درجة،وعرضت عليه الذهاب مكانه ورفض،والأن أتسائل ماذا لو تركني ذهبت؟،لا أعتقد انني كنت تحمّلت.لكني بقيت حتي جاء اوردر للمشرحة،مات زميل لنا في التوزيع لا اعرفه،ذهبت مع المحررة،وكانت عصبية قليلا،خطيبها في الشارع،وهي ذاهبه للمشرحة،فمن لا يتعصب ؟وصلنا المشرحة يا صديقي،وأنا يبدو أن الحائط الذي بنيتة قوي،لا أتأثر بشيء وعزلت نفسي تماما،كنت اتكلم وأضحكوكما تبدو دائما المشرحة يا صديقي،سواد باد وهواء مُتجمد ،وبعين خيال ترى أرواح تطوف حولك،الشمس جميلة تسطع علي الشجر القليل الباديء لأثر الحياة،تُلقي بظل فروعها علي حائط مكتوب عليه أسماء من  ماتوا يعد بحياة أجمل.
كلمت المحررة أسرة الزميل،ووصلنا لهم،تكلمت مع ابيه المصدوم،ولده كان تحت المنزل وجائت له رصاصة فمات،هكذا،في غمضه عين راحت حياته،وراحت أحلامة وحتي الفتاه التي تمني الارتباط به لن تعرف.
هذا مقدار سهولة فقدان الروح في بلدنا يا صديق.المهم انني بقيت معزولة،لم أتأثر،ولم يغضبوا من وجود الكاميرا،حاولت أن أصور والدة بدون المحررة ولم أنجح،فأنتظرت حتي أنتهت من حوارها،ووقفت بعيدا وصورته،وكانت هي صورة واحدة،ولا أريد أكثر،ووقت أن خرجنا من شارع المشرحة،وظهر أمامنا الشارع الرئيسي،كان هناك نهر من الدم علي الأرض،ولم يكن دم سائل بسيط،لكنه دم مُتجمد،أو يبدو هكذا.
كنت علي بُعد ثانية وأغرق فيه برجلي،فاديته في أخر لحظة،ولم أتأثر،لكن يبدو أن المحررة كانت حالتها أصعب مما تخيلت،فبدأت باصدار صوت مزموم،كنت أظنها تأثر بسيط وسيذهب لحالة،حتي بدأت في الصراخ بشكل هستيري،تعرفني يا صديقي،أتمالك نفسي وأتصرف،فلم أهتم بالناس الذين بدأوا ينظروا ناحيتنا،واحتضنتها بقوه،وأنا أُحاول أن اصرخ بالمقابل في أذنها انتي بخير،انتي بخير،كنت أعلم أني كاذبة،لكن عقلي توقف علي هذه الكلمة،لم أستطتع أن أرد علي سؤالها وسط صراخها،فقد كانت تصرخ ليه؟ ليه كدة؟،بماذا بحق الله كان يمكنني أن أُجيبها؟،لم أفعل الا احتضانها،تعرف،حتي في هذه اللحظة كنت أتمني أن يحتضني أحدهم ويُخبرني أنني بخير،أن هذه الحياة قد تتحسن،وأنني قد أكون سعيدة يوما ما.
أوقفت تاكسي،وذهبنا للجريدة،وفي الطريق كنت احتضنها وأقرأ لها قرآن،حتي الرُقية التي حفظتها من جارتنا قرآتها عليها،وعندما كلمت خطيبها في التليفون،كلمته انا بدل منها،وأخبرته بأن يأتي للجريدة.وصلت الجريدة ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني،فقد أتت ايمان من تونس،بعد انتظار في ليبا لأكثر من 12 ساعة،أتت رأسا من المطار للمكتب،لكي تُصور ماذا يحدث اليوم.
منعت أفكارى أن تلعنها،فبين أُناس يتمنون الجلوس بالبيت،هناك آخرون يغطسون في المحيط وهم مُنتشيين.
بمجرد أن وصلت للمكتب وبعدها بقليل،عرفنا أن مسيرة مصطفي محمود،تم فضها،وكانت ايمان متحمسة للذهاب وكانت مُتجه لهناك،فنزلت معها.
وأنا في الشارع في الطريق ونحن نتحدث في أي حديث يشغلنّا عما ينتظرنا،كنت اسال نفسي،ماذا يُخبئء لنا هذا اليوم؟،وماذا بعد؟وصلنا ميدان مصطفي محمود،فوجدنا مدرعات وجنود وأمن وشرطة وجيش،وكأن الجيش الاسرائيلي علي بُعد خطوات،ولكنه لم يكنرأينا كاميرات التليفزيون،فذهبنا بجانبهم،فهناك عدة قواعد يا صديقي،طالما ان هناك كاميرا مُتوقفة وتُمارس عملها عادي،فهذا يعطيك تصريح ضمني،ولكنك يجب أن تكون مستعد لأي سؤال.
لكنها كانت دقايق فقط حتي سمعنا صوت طلق نار قادم من خلفنا،لم أستعجل الذهاب،بينما ذهبت ايمان،وقفت مكاني لدقائق،فقد تم احاطة الميدان من جميع الجهات بجنود جيش،ومُدرعات تبدو أصغرها قادرة علي قتل مئات،لا يستطيع أي شخص المرور،ولو حتي علي دراجة.
جائت ايمان ومعها مصورتين أجنبيتين،وقالت لي ان الظابط صرخ فيها بأنه ممنوع الوقوف جه الشرطةوكانت ذاهبه من طريق مخترص لكي تكون في جهه المُتظاهرين،ولم أعتقد أن هذه فكرة جيدة لكن لم يكن لدي خيار.ذهبت معها وأنا اسمع صدي صوت الطلق النارى،وأتخيل مع كل طلقة انها اخترقت جسد أحدهم،كنت مًجهدة حتي جسديا لا استطيع المشي،فما بالك بالجري لحياتي،وصلنا في الشارع الجانبي،وكان هناك مًتظاهرين،قليل منهم،وقفنا معهم دقائق وهم يهتفوا بين الداخلية بلطجية وبين  عيش حرية عداله  اجتماعية وكعادة الشعب المصري في هذه اللحظات،كيف نكون أربع بنات ومصورات في الشارع بجانبهم؟فكُلا يدلو بدلوه،لا تذهبوا الي هناك،لا تفعلوا كذا ولا كذا،وكالعادة لابد أن تبذل جُهد كبير لكي تتجاهل كل هذا،لكن لم تُمههلهم قوات الشرطة مدة طويلة لكي يسترسلوا في كلامهم،فقد تقدموا علينا،بالأسلحة،وضرب النار أصبح في كل مكان حتي داخل رأسك،وأصبحت لا تعرف أاذا ما كان الصوت هو صدي لضرب من بعيد،أم انه انفجار في داخل دماغك؟،جرينا عندما تقدموا،وجرينا عندما تقدم المُتظاهرين،لكني عرفت قُدرتي،كنت أجري بهدوء شديد،كنت أنتظر الطلقة التي تخترق ظهري،ولم أكن أهتم الا باني تعبت،لقد أصابني الأرهاق ولا مفر،فكرت قليلا،ماذا أنا فاعلة هنا؟
رأيت ايمان أمامي،أخبرتها "أنا تعبانه وهارجع علي الجرنال"،هل أصابني الجُبن؟،هل أصبحت عطبة يا صديقي؟ولا أصلُح لشيء؟،بمجرد أن أخذت القرار وأعطيت ظهري لعالم المهندسين،الا وبدأ الضرب،وبدأ الناس في الشارع يجروا في اتجاه شارع جامعة الدول،ولاني التفت رأيت بأم عيني،ضابط يتقدم بسلاح يبدو كالرشاش ويضرب في مستوي البطن،وكل طلقة يضربها كانت وكأنها تضرب في قلبي،أين ذهبت هذه الطلقة؟،ومن هو؟،ماذا كانت أحلامه؟،كان الشبح أسود،خلفه أثار قنبلة الغاز،وعلي الجانبين أشجار تبدو حزينة علينا،ضهرها مُنحني وفروعها باكية.
اوقفت تاكسي،وركبته وعجلاته تسير،لم أنظر خلفي مرة أخري،قلت له أخرجني فقط من هنا،لم يكن لدي أي طاقة يا صديق للمشي،كيف بالتصوير،انزلني التاكسي عند انصار السيسي،يحملون لافتتات له،في جامعة الدول العربية،نزلت وسارت رجلي بلا اراده،سارت في اتجاه الجريدة وهي تُريد أن تتوقف،كان هناك صوت في عقلي يُردد،لا تصعدي للمكتب،ستعرفي عندها من اُصيب ومن اُعتقل،لم أرد ان اصعد،بقيت اسير ببُطيء شديد،الخطوة وكأنها ميل،والنفس وكأنه من اعماق المُحيط،النظرة مُتثاقلة ولا تري.
ماذا انا فاعلة لو صعدت للمكتب وعرفت أن صديق أُعتقل او مات ؟،كيف لي بقلب يتحمل كل هذا ؟  
لم نحزن علي أصدقائنا كما يجب،ولم نأخذ وقتنا لكي نتعود.
صعدت وقد وجدت ما خشيته،اُلقي القبض علي مصورين في الموسكي،وقُيضوا الي القسم،أُصيب مُصور حر في قدمه وعندما زحف علي الارض قُتل برصاصة في رأسه.
وتم تكسير مُعدات لمصور في المهندسين،وأخرين تم رفع السلاح في وجوههم بعد أن كانوا استأذنوا القوات،هذا كله غير الأخبار التي بدأت تتوارد عن فض المسيرة التي كانت من المقرر سيرها من اما نقابة الصحفيين في وسط البلد،وبدأت الصور تظهر،لرصاص حي واعتقالات بالجُملة،كان زياد هناك،وبدأنا نطمأن عليه.
وأُصيبت واحدة من أعز صديقاتي في مسيرة مصطفي محمود،وكانت عند الدكتور حاليا،ثم والدي الذي نزل حلوان يشتري أشياء ولم يعد للبيت بعد.
كل هذا ضغط علي أعصابي،وعندما ركبت مع أ راندا التاكسي،ذاهبين حتي بيتها ولكي أركب المترو من هناك،كلمت والدي مرة بعد مرة وتليفونة لا يُجيب،بدأت الدموع تتجمع في عيني التي ظننت انها جفت منها،حتي كلمتني والدتي ان والدي عاد سالما،دخلنا لبيت ا راندا وبدأت دموعي،كنت أظن اني قوية صديقي،كيف هذا ؟
تؤلمني الذكري،وأنا الأن بعد أيام قليلة،لكن يبدو وكأن ذاكرتي لا مكان لها في أحداثنا هذه،فاليوم ذكري جُمعة الغضب،لم أذكرها لك ولم أحك لك كيف كان يومها يومها،لكنه اليوم الذي تركت فيه الشُرطة مواقعها،وذهبت أدراج الرياح،ولم تعد الا عودتها مثل قبل الثورة وتوحّشت،اليوم عرفنا انه سيكون هناك مسيرات من مسجد السلام ومن أمام دار القضاء العالي،كنت خائفة،وذهبت أي رغبة لدي بالتصوير أو حتي النزول الي الشارع.
لكن لا مفر،فأثرنا السلامة،طالما انه يجب علينا أن نذهب فالنذهب مصوران معا،وبسبب عدم التنسيق والتشتت الدائم في الجريدة،كان ميعاد وقفة دار القضاء العالي الساعة ال12 ظهرا،ولما كانت الساعه ال 11 ظهرا،ورأيت صورة علي تويتر لفض المسيرة التي لم تبدأ،سألت عن المحرر كاتب الطلب،لكنه أثر الذهاب وحيدا علي أن يصعد دور واحد ليُخبرنا،أو يرفع سماعة تليفون داخلي ليُخبرنا،فقط لأنه صحفي مُجتهد ويبحث عن الحدث،ما أهمية الصورة علي أي حال؟،نزلنا أنا وعلى.
أوقفنا تاكسي وأخبرناه مدينة نصر،علي أساس اننا سنذهب لمسجد السلام،وبعد أمتار قليله أخبرناه اننا سنقف أعلي كوبرى اكتوبر أمام دار القضاء العالي لكي نلتقط صورتين،لا اهميه لهم علي اي حال،ثم نذهب لحالنا.
عندما وصلنا وجدنا سيارة تليفزيون سبقتنا للتغطية،ولكنها كانت صورة وحيدة يا صديقي،لا معني لها لقوات سوداء تسد باب كٌتب عليه،محطمة النقض،المجد للشهداء،يبدو كعنوان شارع.
علي أي حال كانت صورة واحدة ووجدنا من يسألنا بكابه الأسود عمن نكون؟،كان ضابط شرطة،ويطلب الكارنيه،أخبرناه اننا سنذهب،لكنه أبي،كُنا كمن وقع في مصديه،فلا تستطيع أن تقول للسائق أن يذهب،عندها سيأخذوا نمرة العبيرة ويؤذوه،وهو لم يفعل شيء سوي ان اوقعه حظه العثر في طريق مصورين صحفيين منحوسيين.
أو نذهب معه وعندها قد نتعرض لأي شيء،فكما تعرف أصبحت بلدنا مرتع لحدوث أي ما كان ممكن.
مُهارتات كثيرة،وينتظر ظابط الشرطة صديق له،ويركب التاكسي ثم ينزل،ويتحدث في الاسلكي،ثم يسمع الرد،يتشوشر الاسلكي وكأنه يلعن عمله ووجودة في الحياه،ثم يعود لصوته الطبيعي،حتي رضي عنا الرجل أخيرا وركب التاكسي،وكل هذا لكي نسيرمائه متر أمامنا،لكي نتوقف لسيادة اللواء،كان لواء بطعم مدني،لابسا بلطو طويل،ويبدو كمن خرج لتوه من فيلم ماتريكس الجزء الثاني،أوقفنا وبدأنا نٌدافع عن أنفسنا من تهمه لا نعرفها،وبدا هو واثقا من نفسه كرجل ركب عربه السيدات ويعلم كل القواعد والقوانيين،ويُخبرك انه لا وجود لعربه سيدات اليوم.
بعد بضع دقائق تسير يمينا ويسارا انت وطاقم القناه،وراء اللواء فقط لكي تعرف ما هي التُهمه،حتي تعطف علينا وتكلم فقال"انتوا كلكوا جايين علي البوكس دلوقتي،انتوا موقفين كوبرى اكتوبر"،اذن هذه هي التٌهمه العظيمة!،ماذا عن التُهم التي عليها قيمة؟وهل نحن من أوقفنا كوبرى اكتوبر؟،وماذا عن وقفتنا هذه اذن؟،لم أفق من تساؤلاتي وأنا أري كل الأيدي ترفع موبايلاتها وتتصل بأرباب أعمالهم لكي يُخرجوهم من ورطة هم أصحابها،وتركنا اللواء نفعل ما نُريد،لكني لم أغضب الا علي مسي لصور علي الكارت خوفا من ان يراها،أخذ كارنية علي وسجّل البيانات،وقتها لم أفهم ماذا سيحدث،حتي وجدت طاقم القناه يتوسلون سيادته ألا يأذي السائق،اذ السائق هو الضحية اليوم،وجدنا سائق التاكسي قادم،يبدو مُتوجس وهو يلعنا في سره .
أعطاه علي تليفون الجريدة،وأخبره ان يتصل بيهم ان دفع أي غرامة،فوقوفه أعلي الكوبرى كان لخدمة مصلحه الجريدة،لكني لم أراها هكذا،نحن نسير في لااتجاه رمسيس،والسائق عائد للواء بعشرين جنيه عقمة في يده اعطاه اياها علي،ووقف في منتصف الكوبرى ناظرا لنا،بعينين تقتل،كُنا نحن الظلمه اليوم،نحن من ظلمناه ان شارونا له وأخبرناه ان يقف علي كوبرى اكتوبر،لم أتحمل احساسي،حاولت أن اقف او اتحدث،حاولت أن افكر ان تحدثت ماذا اقول؟،سأله علي عما يفعل؟هو لواء وقرر أمره علي ان يعاقب السائق،ماذا أفعل انا كمواطن؟ماذا نفعل يا صديقي في بلدنا الظالمة،تظلم هاديء وعابث،تظلم مُلتزم ومن لا ذنب له؟
ماذا قد يكون دورى لكي لا اكون طوبة في جدار الظُلم،نزلنا حتي رمسيس مشيا من أعلي الكوبرى،وأنا اشعر بظهري يحترق بدعوة مظلوم،أقسم بها الله.
قرأت أذكارى في سري،وأشهدت الله اني غير راضيه عن هذا ولا ذنب لي،لا ذنب لنا.
لحظتها كنت أتمني أن أُغمض عيني وأن اكون في أي مكان الا هنا،كان هذا كثير عليّ،ولا استطيع التحمُل اكثر.
لكن الأكثر هو القادم.
ذهبنا لرمسيس لكي نعلم أن معركة حقيقية وقعت هنا،بعد أن قبض ضابط شرطة علي 3 بنات من المسيرة وقتلنهن ضربا،حتي وصلت بعميد أن يتصارع معه لايقافة،وامسكوا جميع المصورين المتواجدين ومسحوا كل الصور التي قد تُثبت اي شيء.
لا ضرورة لنا هنا،ذهبنا لمدينة نصر لنجد لا شيء،سور مصوران زميلان في المصري اليوم،وعُدنا للجريدة.
اليوم،وأنا في بيتي وفي غُرفتي،أدعو الله أن يرزقنا قلب يتسع لما نحن فيه،وعائله نتكيء عليها وقت سقوطتنا،وأصدقاء يحتضنوننا وقت انهيارنا،وضحكه نحتفظ بها أوقات سوادها.
محظوظ أنت يا صديقي أنك تقرأ ما أحكيه لك ولا تعيشه،فلم يُوجد في اللغة توصيفات كافية لكي حتي تُقرب الواقع ولو قليلا.
فالواقع اكبر بكثير من أي كلمات او توصيفات.
فليرحمنا الله.